خليل الصفدي
251
أعيان العصر وأعوان النصر
وأحفل بذلك الدرك ، فكتبنا إليكم - كتب اللّه لكم رسوخ القدم وسبوغ النعم - من حضرتنا بمدينة فاس المحروسة ، وصنع اللّه سبحانه تعرف مذاهب الألطاف ، وتكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف ، وتصرف من أمره العظيم ، وقضائه المتلقى بالتسليم ، ما يتكوّن بين الكاف والنون ، ومكانكم العتيد سلطانه ، وسلطانكم المجيد مكانه ، وولاؤكم الصحيح برهانه ، وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلال ميدانه ، وإلى هذا زاد اللّه سلطانكم تمكينا ، وأفاد مقامكم تحصينا وتحسينا ، وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلا مبينا ، فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى ، ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى بيننا وبين والدكم - نعم اللّه روحه وقدّسه - ، وبقربه مع الأبرار في عليين آنسه ، من مؤاخاة أحكمت منها العقود ، تالية الكتب والفاتحة ، وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذتاها المحبة والنية الصالحية ، فانعقدت على التقوى والرضوان ، واعتضدت بتعارف الأرواح عند تنازح الأبدان ، حتى استحكمت وصلة الولاء ، والتحمت كلحمة النسب لحمة الإخاء ، فما كان إلا وشيكا من الزمان ، ولا عجب في قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان ، ورد وارد أورد رنق المشارب ، وحقق قول : « ومن يسأل الركبان عن كل غائب » ، أنبأ باستئثار اللّه بنفسه الزكية ، وإكنان درته السنية ، وانقلابه إلى ما أعدّ له من المنازل الرضوانية ، بجليل ما وقر لفقده في الصدور ، وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك المقدور ، حنّانا للإسلام بتلك الأقطار ، وإشفاقا من أن يعتور قاصدي بيت اللّه الحرام من حرّ الفتن عارض الأضرار ، ومساهمة في مصاب الملك الكريم والولي الحميم ، عميت الأخبار ، وطويت طي السجل الآثار ، فلم نر مخبرا صدقا ، ولا معلما بمن استقر له ذلك الملك حقا ، وفي أثناء ذلك أحفزنا الحركة عن حضرتنا ؛ لاستصراخ أهل الأندلس وسلطانها ، وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها ، ونحن أثناء ذلكم الشأن نستخبر الوارد من تلكم البلدان ، عما أجلى عنه ليل الفتن بتلكم الأوطان . فبعد ، لأي وقعنا منها على الخبير ، وجاءنا بوقاية حرم اللّه بكم البشير ، وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه ، وتداركه اللّه منكم بفاتح الخير من أبوابه ، فأطفأ بكم نار الفتنة وأخمدها ، وأبرأ من أدواء النفاق ما أعل البلاد وأفسدها ، فقام على سبيل الحج سابلا ، وتعبّد طريقه لمن جاء قاصدا أو قافلا ، ولما اجتمعت بهذا الخبر القرائن ، وتواتر بنقله الحاضر له والمعاين ، أثار حفظ الاعتقاد البواعث ، والود الصحيح تجره حقا الموارث ، فأصدرنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار ، الجامعة بين الخبر والاستخبار ، الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار ، ومثل ذلكم الملك - رضوان اللّه عليه - من يجل المصاب لفقدانه ، وتحل عرى الاصطبار لموته ولات حين أوانه ، ولكن الصبر الجميل أجمل